كلّما تزعزع إيماني بالصحافة الإنسانية

سؤالُ التعلّق والاستغلال أرَّق الصحفيين والباحثين لعقود، خاصة الذين يعملون على مقربةٍ من القصص الإنسانية وصحافة الكوارث.

2 يناير، 2022

هناك جوانب في الصحافة لا تظهر في الصورة النهائية للمادة. منها، عند بحثنا عن «شخصيات»، نهتم دومًا بإيجاد أشخاصٍ متحدّثين ممن لديهم قصص جاذبة ومليئة بالأحداث.

 قد نتعامل مع تلك الشخصيات بآليةٍ أحيانًا، كأن نختار المقاطع المهمة من المقابلة، أو نضطر لإلغاء مقابلةٍ بأكملها لأنها لا تناسب نسقَ القصّة التي نحيكُها. هكذا تتحول أصواتهم وكلماتهم إلى «مادة صحفية» مفصولة عنهم. وبينما نجري نحن لتغطية موضوع جديد، يظلّون غارقين في واقعهم ذاته. 

لكن جزءًا منا يبقى متعلّقًا بتلك اللحظات ومرتبطًا بهم، ولا تغادرنا كلماتهم بعد النشر أبدًا. مع ذلك، لا أملك إلا أن أشعر أحيانًا بأنّي أستغلّ أوجاعهم الشخصية في صناعة «قصصٍ مثيرة للاهتمام».

سؤالُ التعلّق والاستغلال هذا أرَّق الصحفيين والباحثين لعقود، خاصة الذين يعملون على مقربةٍ من القصص الإنسانية وصحافة الكوارث. ويعلقُ في بالي نصٌّ كتبته صحفية أميركية أُرسلَت إلى إثيوبيا لتغطية المجاعة عام 1985:

ليلًا، حين تتخذ كوخًا من القشّ ملجأً يحجبكَ عن العالم الفظيع في الخارج؛ تنهار. تنهار خجلًا من جوعك المؤقت، ومخاوفك الأنانيّة على سريرٍ نقّال. أنت ممتنّ لكلّ هذا الظلام، لأنّك لن تضطر للرؤية لبضع ساعات… ولكنّك ما زلت تسمع. تسمعُ السعالَ والتقيؤ والأنين والعويل إلى أن يعمّ الصمت، وتعلم أنّ خمسة وسبعين شخصًا آخرين قد فارقوا الحياة.

لغاية هذه النقطة، يشعرني النصُّ بالعجز. وبكمٍّ لا بأس به من الذنب الذي نحمله كصحفيين، حين يقتصر دورنا على رواية القصص أمام هوْل الحروب والمجاعات وحتى المآسي الشخصية. لكنّها تُكمل:

ثم تسمع صوتًا آخر: الغناء. أناشيد عذبة بإيقاعاتٍ عميقة. كلّ ليلة، ستظنّ أنك تهلوس، وتتساءل إن كان خوفُك قد قادك أخيرًا إلى الجنون. حين لم تعد في قرى إثيوبيا وإرتيريا أيّ فرصٍ للنجاة، غادر سكانها في جماعاتٍ إلى معسكرات المجاعة واستقروا في أكواخ هناك، مكوّنين ما يشبه القرية. كانت رواية الحكايات من الطقوس التي حملوها معهم إلى تلك المعسكرات. كانوا يتجمّعون حول النار كلّ ليلة، كبارًا وصغارًا، ليرووا القصص وينشدوا الأغاني، تلك التي ستنجو في وجه الموت، كلّ مرّة.

أتذكر هذا النصّ كلّما تزعزع إيماني بقدرةِ القصص على تغيير العالم. وحين يستبدُّ بي العجز عن مواساة من يمنحونني ثقةً استثنائية لإيصال أصواتهم، أتذكُّر أنَّ الكلمات حيَّة وقادرة على النجاة، كلَّ مرة.

2022 © جميع الحقوق محفوظة لشركة ثمانية للنشر والتوزيع