حين تحوَّل شغفي إلى وظيفتي

يوم قررت الانتقال إلى مدينة مجهولة بالنسبة لي للالتحاق بوظيفتي الجديدة، لم أتردد للحظة؛ فهناك سأصنع أفلامًا وثائقية.

9 يناير، 2022

يوم قررت الانتقال إلى مدينة مجهولة بالنسبة لي للالتحاق بوظيفتي الجديدة، لم أتردد للحظة؛ فهناك سأصنع أفلامًا وثائقية، الشيء الوحيد الذي أحب فعله وتعلمه.

لكن من «أول يوم دوام»، تنبّهت للمعضلة التي ستشغلني لفترة معتبرة، وهي أن ذهني أصبح يفكر أربع وعشرين ساعة بالفلم الذي أصنعه؛ يضع الاحتمالات التي ستربط بين القصص ويحلل الشخصيات. أظلُّ أسأل نفسي «كيف أتنقل بين الخطين الزمنيَّين؟ هل هذا المشهد مناسبٌ ليمثّل حبكة الفلم؟ ما احتياج الشخصية الجوّاني الذي يحاول إشباعه؟ وهل سيشعر به المُشاهد؟ …»

تنتهي ساعات عملي فأغادر المكتب تاركًا جهازي فيه، آخذًا خواطري وأسئلتي معي. 

لم أجرب هذا الإلحاح الذهني سابقًا. قبل الوظيفة، كنت كلما أعمل على وثائقي كـ«فريلانسر» أتفرُّغ له بحيث تصبح الفترة المخصصة للمشروع محمولة بهمّ العمل. أعيش قلقي عليه حتى أنتهي منه، ثم أعود لحياتي تاركًا كل متعلقاته بمجرّد تسليمه.

أما الآن، حين تحوَّل عملي على الوثائقيات من عمل حر إلى وظيفة رسمية، أصبحتُ على موعد يومي مع محاولات فاشلة لإيقاف هذه الشوشرة. 

حاولت فهم دوافع عقلي الباطن: هل ما أشعر به قلقُ بيئة العمل الجديدة؟ التخوّف من ألَّا أكون على قدر المسؤولية؟ هل من الوارد أن أكون مصابًا بإدمان العمل؟ صحيح، وارد جدًا. ولأني أحب كل ما يتعلق بالوثائقيات، قد يتحول إدماني على العمل إلى حالة مرضيَّة.

وأدركت أن طريقتي في التفرغ تمامًا لكل مشروع، كما كنت أفعل كصانع أفلام حر، كان الحل الملتوي والمؤقت لأعالج قلقي. لكن، هل نمط الحياة هذا صحيّ؟ هل سيُخرج أجود ما عندي؟ طبعًا لا.

في بحثي عن الإدمان، قرأت بأن ما يؤرق المدمن هو أنَّ اهتمامه لا يُثار إلا حين يكون حول ما يدمن، ولهذا كان يستحيل عليّ الفصل بين العمل والحياة. فذهني يستغل كل لحظة هادئة ليشغلني بأفكار تدور في فلك العمل.

عندها أجبرت نفسي على ملء كل وقت ميت بنشاط ما. وبما أننا نقضي ربع يومنا في مشاوير الرياض، قررت ألَّا يبدأ مشواري قبل تشغيلي حلقة بودكاست في موضوع بعيد عن مجالي. نادرًا ما أستمتع بتلك الحلقات، وفي غالب الأحيان يكون طريقي معها مملًا. لكني التزمت؛ التزمت بالملل. وفعلًا، خفَّف استماعي لمواضيع لا أكترث لها من حدة إزعاج قلقي على عملي. 

بعد إتمامي الأسبوع الأول من هذا التمرين، تنبّهت لمتعة الحياة. صار الطعام أشهى والجوّ أحلى والشمس أرق والشتاء أدفأ. لكن الأهم أني عدت أكثر إنصاتًا لزوجتي.

2022 © جميع الحقوق محفوظة لشركة ثمانية للنشر والتوزيع