دافع عن نصك

الكتابة فعل تكشّف، فعندما تكتب فإنك تكشِف عن أفكارك أو رؤاك عن العالم ومشاعرك أحيانًا. ولذا تكون لحظة جلوسك مع المحرر لمراجعة نصك لحظة ضعف.

27 مارس، 2022

يحدث أن تقرأ المسودة العاشرة من نصٍ كتبته ولا تتعرف عليه، فلا تراه يمثل فكرتك الأساسية ولا يشبه أسلوبك، وتتساءل: ما الذي حدث بين المسودة الأولى والأخيرة؟ 

لعل فضيلة التحرير والحذف والمراجعة أول درس تعلمته لدى احترافي الكتابة أو الصناعة الإبداعية. فأجد السيد وليم فوكنر ينظر لي بحدة وهو يشير بسبابته ويحذر: «Kill your darlings» أو اقتل أعزاءك! هذه نصيحة تحريرية تحث الكاتب على ألا يتردد في حذف بعض الأفكار والمقاطع من النص. لذلك يبرز التحرير وإعادة الكتابة باعتباره فضيلة، ليس لأنه يحسن النص فحسب، بل لأنه يمثل قيم الاحترافية والسعي للكمال والبعد عن الكسل. 

تقول جولي سنايدر التي تعمل في تحرير القصص الإذاعية في «ذس أميريكان لايف» (This American Life)، و«سيريال» (Serial)، منذ أكثر من عشرين سنة، إن ما يمنعها من الإنتاج والكتابة هو ردة فعلها السلبية وقت جلوسها مع المحرر وموافقتها على كل اقتراحات الحذف والتعديل. 

ما أفهمه من حديث جولي هو أن الكتابة فعل تكشّف، فعندما تكتب فإنك تكشِف عن أفكارك أو رؤاك عن العالم ومشاعرك أحيانًا. ولذا تكون لحظة جلوسك مع المحرر لمراجعة نصك لحظة ضعف؛ ليس ضعفًا بالمعنى التقليدي، لكن علاقتكما بالنص ليست متكافئة. وهنا يحدث أن توافق على كل اقتراحات وتعديلات محررك حتى تصلا للمسودة العاشرة التي لا تمثل فكرتك الأساسية ولا تشبه أسلوبك. 

 أثناء كتابتي حلقات بودكاست احتيال، كانت غرفة التحرير تضم أحمد الحقيل ومازن العتيبي، وكلاهما يقرأ النص بصوت عالٍ ويناقشه. فوجدت أن أفضل موقف تتخذه، بوصفك الكاتب، هو ألا تكون محايدًا، بل تدافع عن نصك وتتحدى وتناقش مقترحات التحرير. 

تحتاج الغرفة التحريرية إلى ناقد للنص وإلى محامٍ يشرح المقصد من كل جملة وكل فكرة. وليس ذلك بغرض رفض التعديل، بل لضمان وصول أفكارك للمحرر، ولأن النقد بعد النقاش يكون أكثر صلابة، وليكون المقترح التحريري عندئذ  أكثر  انسجامًا مع روح النص ومع أسلوب الكاتب. 

أتفهم الشعور بالذنب المصاحب لرد أي انتقاد، إذ يسهل تفسيره بالعناد أو الكسل. ولكن أعظم خدمة تقدمها لنصك، ولمحررك، أن تناقش أعزاءك قبل قتلهم. 

2022 © جميع الحقوق محفوظة لشركة ثمانية للنشر والتوزيع