كنت محرّرة عمياء، ثم أبصرت

ظننتُ أن إبداء الملاحظات التحريريّة على النَّص أمرًا سهلًا، فأنت توجه انتقادًا إلى عمل غيرك، لكنّي كنت مخطئة، فهي مهارة تُكتَسب مع الوقت.

12 يونيو، 2022

من جواهر تويتر التي ألجأ إليها خلال عملي على التحرير صورةٌ من مسودة القصيدة الملحمية «أرض اليباب» (The Waste Land) للشاعر إليوت. ليس نص القصيدة ما يلهمني، بل «شخط» عزرا باوند على المسودة بملاحظاته الكثيرة حدَّ حذف صفحة بأكملها بشخطة قلم واحدة.

ظننتُ أن إبداء الملاحظات التحريريّة على النَّص أمرٌ سهل، فأنت توجه انتقادًا إلى عمل غيرك، لكنّي كنت مخطئة، فهي مهارة تُكتَسب مع الوقت. قبل نشرة أها! اقتصرت تجربتي في تحرير المقالات على الجانب اللغوي، أمّا مهمة تحرير المحتوى المعنيّة بسلامة بنية النَّص وتوافقه مع المعايير فكانت تعود إلى محرّر آخر يسبقني في خطّ العمل.

ومع بداية توليّ مهمة تحرير المحتوى في النشرة، كنت ما إن أقرأ التدوينة أوافق عليها بلا ملاحظات. لأكتشف بعد ملاحظات سمر سليمان أنّي كنت عمياء عن مواطن الخلل في النص. مثلًا قد تكون المقدمة حشو كلام، أو تفتقر إلى اللمسة الشخصية، أو قد يكون ثمة خلل في منطق ترتيب الأفكار، والحاجة إلى إضافة فقرة أو حذفها. قد تنتهي تدوينة رائعة بختام باهت يخلو من لحظة «أها!».

لماذا كنت عمياء؟ ربما لأنّي حَرِجتُ من «إزعاج» الكتّاب بتوجيه ملاحظة، فأنا  بوصفي «كاتبة» و«مترجمة» لم أستسغ ملاحظات المحرّر لا سيّما إن جاءت بأسلوب استعلائي غير متفهّم. وبهذا لا شعوريًّا حملت صورة «سلبية» عن دوري. فإن وجدت التدوينة مناسبة قبلتها فورًا، وما كنت لأفكّر أنَّ مهمتي ليست فقط التأكد من خلوّها من الأخطاء اللغوية، بل إظهارها في صورتها الأفضل. 

كيف أبصرت؟ اتبّعت أحد مبادئ آيرا گلاس: قلّد الناجح حتى تتقن مهارته. وهكذا ما إن تصلني التدوينة كنت أسأل نفسي، ما الذي ستراه سمر؟ ومع الممارسة بدأت تتشكّل لديّ العين التحريريّة.

والعاملٌ الآخر الذي ساهم جذريًّا في تحسّن مهاراتي التحريرية هو كُتّاب نشرة أها!. حين انتقلت إلى مرحلة التعامل المباشر معهم أمست كل الهواجس المتعلّقة بامتعاضهم لا أساس لها. الكل يبدي سعة صدره للملاحظات والتعديلات، بل يحثّوني على إبدائها مع كل تدوينة يرسلونها إليّ، وبدوري حرصت على إيصال كل ملاحظة باحترام وتوضيح للأسباب.

ما زال هناك الكثير لأتعلّمه. وما أراه حقًّا في تحرير عزرا باوند للقصيدة ليست فقط ملاحظاته، بل شغفه وبصيرته الصادقة تجاه نص كاتب آخر. ولأني اليوم محررة أحتاج هذه البصيرة.

2022 © جميع الحقوق محفوظة لشركة ثمانية للنشر والتوزيع