دع الكلمات والجمل تتصادم

في المرة القادمة، عندما تنتهي من كتابة جملة وتبدأ بأخرى، اضبط نفسك. لا تستخدم «و»، «لكن»، «إلا أن» «كيما»، «لا بد أن» وغيرها من الكلمات.

3 أكتوبر، 2021

في المرة القادمة، عندما تنتهي من كتابة جملة وتبدأ بأخرى، اضبط نفسك. لا تستخدم «و»، «لكن»، «إلا أن» «كيما»، «لا بد أن» وغيرها من الكلمات. لا تخشَ الفجوة بين الجملتين؛ ذاك الإحساس بأن هناك جسرًا ناقصًا؛ بأن القارئ سيقع في «الفراغ». لن يحدث ذلك.

هل أنت كقارئ من هذا النوع؟ هل تتعثر بين الجمل، وتتلعثم بين الفقرات؟ هل يحتبس عليك الفهم عندما تجد فاعلاً مستترًا، أو ضميرًا محذوفًا، أو مفعولاً به مؤولاً؟ هل تحتاج إلى من يرشدك عندما تقرأ نصًا؟ إذا كتبت بوضوح، وكنت متأكدًا مما قلته وما لم تقله، لن يضيع القارئ. إنْ كان ثمة سبب للتشويش، فهو كثرة أدوات الربط.

يكفي أن تفتح أي موقع أخبار عربي، لتجد الجمل مثقلة بأكثر من تسعين أداة ربط. أحيانًا ستجد ثلاث أدوات ربط متتالية في بداية الجملة الواحدة كما في: «لكن في المقابل، فقد حصل الفلسطينيون..»

الهوس بأدوات الربط والانتقال ينفي حقيقة أساسية عن الكتابة؛ حقيقة سحرية، وهي أن الكتابة ليست مثل حزام ناقل الأمتعة، تحمل القارئ إلى النقطة عند نهاية النص حيث يتكشّف «المعنى». الكتابة الجيدة لها مغزى في كل جملة؛ وممتعة بكل جملة.

تعلّمنا في المدارس والجامعات أن ما يهم في القراءة هو اكتشاف «المعنى» الذي بُثَّ في النّص. فالكلمات تتبخر تاركة وراءها لحظةَ إدراك في الدماغ. تعلّمنا أن الكتابة ليست سوى إِيداع «المعنى» الذي يستخلصه القارئ لاحقًا. وأن الجملة استنساخٌ للفكرة؛ مجرد قشرة خارجية، قيمتها تكمن فيما تنقله أو تحتويه، لا في كونها جملة. لا يهم شكلها، المهم المعنى الكامن فيها.

تعلّمنا كصحافيين أن نفكر ونقرأ ونكتب كما لو أن التوافق بين اللغة والمعنى تقريبي؛ فالأشكال المختلفة لكتابة الجملة الواحدة، تعني الشيء عينه، لا فرق بينها. لم يشرح لنا أحد الروابط بين بقع الحبر على الصفحة التي نقرأها. لم يقل لنا أحد أن اللغة تعيش داخل متانة الجملة. 

ماذا لو لم يكن «المعنى» هو الغرض الوحيد من بناء الجملة؟ ماذا لو كانت الفضيلة والقيمة هي الجملة ذاتها وليس «المعنى» الكامن فيها؟ ماذا لو كانت كل سمة من سمات الجملة أو المفردات، الإيقاع، الصوت، الترابطات، التركيب دلالةً ولغةً. لها قيمتها، وليس معناها فقط؟

إذا كنت أبًا مثاليًا تروي القصص لطفلك كل ليلة، هل انتبهت إلى طلبه في لحظات معينة، إعادة جملة بعينها كلمة بكلمة ومرة بعد أخرى؟ إذا كان «معنى» الجملة ليس بديلاً عن الجملة ذاتها. إذا كان الغرض من الجملة أن تقول ما ينبغي لها قوله، وأن تكون هي ذاتها أيضًا، وليست مجرد «وعاء» لاستخلاص المعنى. إذا كانت الكلمات لها تاريخها المعقد، وتشكلت عبر قرون من نطقها وكتابتها في سياقات الأدب والثقافة والعمل. إذا كان صداها يتردد مع أشباح أشكالها السابقة.

إذا كانت الجملة ذاتها لها إيقاع وسرعة حركة. إذا كانت تستخدم المجاز والتشبيه، أو الجناس أو عشرات محسنات البديع. إذا كانت تحدد الإيماءات الدرامية التي تقوم بها ككاتب. إذا كانت تثير توقعات القارئ وتطلعاته على مستويات عدة. إذا كانت تسمي الأشياء الفعلية في العالم، أو ربما تعيد تسمية العالم. 

إذا كنت ككاتب حارسًا على كل هذه الصفات في الجمل التي تنشئها، فلماذا تتركها هناك، مركونة في زاوية مهملة؟ لماذا هذه النظرة الاستعلائية إلى القارئ، وأن «المعنى» سَيَفرُّ منه ما لم تكبّله بأدوات الربط؟ أليس استخدام أدوات الربط، محاولة متوترة لترقيع الجمل القصيرة مع بعضها في جملة طويلة. وكأن «المعنى» سيضيع ما لم يأتِ قبل نقطة النهاية في الجملة.

أليس حذف أدوات الربط، طريقك إلى تعلّم كتابة الجملة القصيرة، وتعلّم كيف يكون نصّك مفهومًا للقارئ. أليس الفراغ الذي تشعره بين الجمل، هو على الأغلب أدوات الربط والانتقال التي ينبغي عليك حذفها. أليست الجملة المزدحمة الطويلة، إقصاء لكل العلاقات التي قد تتكون بين الجمل القصيرة. ذاك الاحتكاك، والشدّ، والتوتر في الكهرباء الساكنة فيما بينها، مثل الـ«بيمول» والـ «دييز» بين العلامات الموسيقية.

دع الكلمات والجمل تتصادم بدلًا من عقد صلح وسلام مصطنع بينها باستخدام أدوات الربط.

لا تصادم = لا احتكاك.

لا احتكاك = لا حرارة.

لا حرارة = لا نور.

لا نور = لا رؤية.

لا رؤية = لا معنى.

الوسوم:

2021 © جميع الحقوق محفوظة لشركة ثمانية للنشر والتوزيع